تشرح نريمان مصطفى في هذا التحليل كيف دخلت مصر مجددًا في مواجهة مشحونة مع إثيوبيا بعد قرار أديس أبابا الأحادي استكمال الملء الرابع لسد النهضة خلال الشهر الماضي، وهي خطوة وصفتها القاهرة بأنها “غير مسؤولة” وتشكل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي. أعاد هذا القرار إشعال واحدة من أطول وأعقد أزمات الموارد في إفريقيا، ووضع مستقبل نهر النيل على المحك.
وتشير مير إلى أن خبراء مياه أكدوا أن عملية الملء الأخيرة احتجزت قرابة 24 مليار متر مكعب من المياه داخل خزان السد، وهو ما انعكس سريعًا على دول المصب. أظهرت صور أقمار صناعية حللها مختصون في السودان ومصر تراجعًا حادًا في منسوب النيل الأزرق، إلى جانب مظاهر جفاف واضحة في مناطق زراعية كانت تعتمد تاريخيًا على الفيضان السنوي.
سد النهضة: مشروع ضخم وأزمة ممتدة
يقع سد النهضة على النيل الأزرق في إقليم بني شنقول-قومز الإثيوبي، على بعد نحو 14 كيلومترًا من الحدود السودانية، ويعد من أضخم مشروعات الطاقة الكهرومائية في العالم. يمتد هيكله الخرساني لمسافة 1.8 كيلومتر، ويصل ارتفاعه إلى 145 مترًا، وتبلغ سعته التخزينية القصوى 74 مليار متر مكعب، مع قدرة إنتاج كهرباء تصل إلى 6 آلاف ميغاواط، ما يجعله الأكبر في إفريقيا.
عند إطلاق المشروع عام 2011، قدمته إثيوبيا بوصفه رمزًا للنهضة الوطنية ومحركًا للتنمية الاقتصادية، مؤكدة أنه سيوفر الكهرباء لملايين المواطنين ويدعم تصدير الطاقة لدول الجوار. غير أن مصر والسودان نظرتا منذ البداية إلى السد كخطر وجودي، نظرًا لاعتمادهما شبه الكامل على مياه النيل للشرب والزراعة. تخشى القاهرة أن يؤدي الملء السريع أو التشغيل غير المنسق إلى تقليص تدفق المياه بشكل حاد، ما يهدد حياة أكثر من 100 مليون مصري.
الملء الرابع: نقطة التحول الأخطر
يصف خبراء مصريون الملء الرابع بأنه تصعيد بالغ الخطورة. يقول الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية، إن خزان السد احتجز هذا العام وحده 24 مليار متر مكعب من المياه، وهو ما يعادل 130% من حصة السودان السنوية، ونحو نصف حصة مصر. يضيف أن الآثار ظهرت فورًا، إذ رصدت صور الأقمار الصناعية توقفًا شبه كامل لموسم الفيضان على النيل الأزرق، ما حرم مزارعين في السودان من الزراعة القائمة على الفيضانات، وأجبرهم على التحول إلى نظم ري مكلفة.
في مصر، يشير شراقي إلى فقدان يقارب 12 مليار متر مكعب من المياه السنوية، رغم عودة جزء منها لاحقًا مع تشغيل توربينات السد. ويحذر من أن تزامن تشغيل السد مع معدلات أمطار دون المتوسط في السودان قد يحول مساحات زراعية واسعة إلى مناطق شبه جافة، ويزيد من حدة انعدام الأمن الغذائي في البلدين.
الرد المصري: دبلوماسية حذرة وخيارات متعددة
تصف القاهرة الخطوة الإثيوبية بأنها انتهاك للقانون الدولي ولمبادئ إعلان المبادئ الموقع عام 2015، والذي ينص على التعاون وعدم إلحاق الضرر بدول الحوض. أعلنت وزارة الموارد المائية أن جولة جديدة من المفاوضات ستنعقد في القاهرة لاحقًا هذا العام، لتكون الرابعة منذ انهيار محادثات أديس أبابا عام 2023. غير أن مسؤولين مصريين يشككون في جدية إثيوبيا، متهمين إياها بالتراجع عن تفاهمات فنية سابقة.
أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، قدم وزير الخارجية سامح شكري موقفًا مصريًا حادًا، مؤكدًا أن الإجراءات الأحادية على النيل غير مقبولة وخطيرة، وأن مصر تواجه عجزًا مائيًا يتجاوز 50% من احتياجاتها، ما يدفعها لإعادة استخدام المياه أكثر من مرة في وضع غير قابل للاستمرار.
بدوره، وصف رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي قرار الملء بأنه تصرف يستهين بحياة الملايين، وأفادت مصادر قريبة من الرئاسة بأن مصر تجهز ردًا متعدد المستويات يجمع بين المسار الدبلوماسي والقانوني والبيئي. كثفت القاهرة تحركاتها داخل الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة، وسعت إلى تدويل القضية، بالتوازي مع تسريع مشروعات تحلية مياه البحر، وتحديث نظم الري، وتوسيع قدرات إعادة تدوير المياه.
الثمن الإنساني ومستقبل هش
بعيدًا عن البيانات الرسمية، بدأت الأزمة تضرب المجتمعات المحلية. أبلغ مزارعون في شمال السودان عن خسائر في المحاصيل بسبب تراجع الفيضانات، فيما تواجه تعاونيات زراعية في دلتا النيل بمصر تقنينًا للمياه وتقليصًا لمواسم الزراعة. يحذر خبراء من أن انهيار الزراعة التقليدية قد يدفع موجات هجرة داخلية ويغذي توترات اجتماعية أوسع، بينما يتوقع بيئيون تدهور خصوبة التربة نتيجة انخفاض الرواسب الطبيعية، وزيادة الاعتماد على الأسمدة الكيماوية.
مع اقتراب جولة تفاوض جديدة، يبقى التفاؤل محدودًا. تصر إثيوبيا على حقها السيادي في تشغيل السد، وتتمسك مصر بإطار قانوني ملزم ينظم الملء والتشغيل وإدارة فترات الجفاف. ومع كل ملء جديد، يتآكل ما تبقى من الثقة، ويتحول سد النهضة من مشروع تنموي إلى اختبار حقيقي لقدرة الدبلوماسية الإقليمية على إدارة صراع الموارد في عصر يتسم بتغير المناخ وتزايد المنافسة على المياه.
https://www.meer.com/en/99836-the-battle-over-the-nile

